|
دموع نساء داخل السجن
السجن سجن.. حتي لو كان داخل قصر!
داخل سجن النساء بالقناطر الخيرية.. تعيش المئات من النزيلات.. متهمات في قضايا
مختلفة.. أعمارهن مختلفة.. ثقافتهن
أيضا!
في هذا المكان.. تعيش آلاف الحكايات والأسرار التي تحمل هموم النزيلات.. منهن من
تعيش حياتها بشكل طبيعي داخل السجن ولم تؤثر فيها التجربة.. ومنهن من يعشن في جحيم
لا يحتمل.. عذاب السجن من ناحية.. وعذاب الضمير والخوف من الله من ناحية أخري تتطلع
إلي يوم جديد تفتح فيه صفحة جديدة مع الحياة.. صفحة بيضاء.. الخير يملأ سطورها..
التوبة تزين حروفها..!
من هذا النوع.. قابلتثلاث نزيلات.. دموع التوبة لم تجف في عيونهن لحظة واحدة.. لا
يطلبن من الدنيا سوي طلب واحد.. أن يقبل الله توبتهن.. ويغفر لهن
جلست أمامي بملابس السجن البيضاء.. شابة في العقد الثالث من العمر.. سنوات السجن
والحرمان لم تهزم ملامح وجهها الجميل.. وشبابها النضر.. لكن عيونها أسيرة للحزن
والدموع.. اسمها 'سماح' طلبت منها أن تحكي حكايتها.. قالت سماح:
عروس وقاتلة!
أنا من احدي قري محافظة الفيوم.. بداية عام 1997 تم زفافي إلي عريس عامل وعشت معه
في منزله بإحدي قري مركز الواسطي ببني سويف.. كنت غريبة وسط الجيران وأنا أعيش أحلي
أيام عمري كعروس جديدة أعيش أيام العسل.. حاولت أن أكسب الناس وأحبهم ويحبوني..
ونجحت في ذلك إلي حد كبير إلا جارتي (ن)!
كانت تكرهني بدون سبب.. تجنبتها.. لكن لسوء حظي.. ذات يوم في نفس العام بعد زواجي
بأشهر قليلة.. وجدتها ترميني بالشتائم والسباب.. والسبب لأني سكبت مياه بالقرب من
باب شقتها دون قصد.. المهم.. تدخل الجيران وفضوا المشاجرة.. وبعدها اقتصرت عنها
نهائيا.. وبعد أسبوع فوجئت بضباط مباحث مركز الواسطي يلقون القبض عليٌ.. كان موقف
صعبا جدا بالنسبة لي.. فهي أول مرة في حياتي أدخل مركز شرطة.. وداخل المركز عرفت
السبب.. اتهموني بقتل ابنة جارتي عمرها 18 سنة قبلها بثلاثة أيام كانت النيران قد
شبت في منزل جارتي ودمرته.. وماتت ابنتها تحت حطام الحريق.. وسرعان ما وجدت نفسي
متهمة بقتل ابنة جارتي وحرق منزل والدتها.. ودخلت السجن حتي عاقبتني محكمة الجنايات
بالأشغال الشاقة 15 سنة!
تمسح سماع دموعها ثم تكمل حكايتها قائلة:
لم أكن أصدق ما يحدث.. دخلت سجن النساء في نفس العام.. قبل أن أحتفل بأول عيد زواج
مع زوجي في منزلنا.. قضيته هنا في السجن.. تركت رضيعي لزوجي بعد ولادته بأيام..
عانيت الأمرين.. ليت الدموع وحدها تستطيع تضميد جراحي الغائرة.. اكتويت بنار السجن
وعالمه الغريب..
انحرمت من زيارة زوجي وابني الوحيد لمدة خمس سنوا تكاملة.. بمرور الوقت تعلمت دروسا
كثيرة هي نتاج تجربتي المرة.. تعلمت أن الانسانة العاقلة لازم تحافظ علي حريتها
وسعادتها وبيتها ومستقبلها بأي شكل.. حتي لو كان ذلك يتطلب عدم الاندماج بأحد.. أو
افتعال مشكلة مع أحد.. حتي لا ينتهي مصيرها بدخول السجن وتدفع الثمن غاليا..
صدقني.. رغم شعوري أنني بريئة من التهمة التي دخلت بسببها السجن.. إلا أنني أؤكد
أنني أعلنت توبتي في صلاتي وبكائي ودعائي إلي الله.. أتمني أن أخرج من هنا انسانة
جديدة تحسن معاملة الناس إلي أقصي مدي حتي لو تنازلت عن حقوقي.. أتمني أن أضم ابني
الوحيد إلي صدري وأعوضه عما تسببت له فيه من عذاب بجعدي عنه وتربيته بعيدا عن
أحضاني.. هذه الدعوة لم أطلبها لنفسي فقط.. بل أنصح بها كل من تتكلم معي أو
تسألني.. وربنا يتقبل منا التوبة ويساعدنا علي بدء حياة جديدة.
آه.. من الكوافير!
الحكاية الثانية كانت بطلتها هند وهذا ليس اسمها الحقيقي دموع الشعور بالذنب
والتطلع إلي توبة نصوحة لم تبرح عينيها.. قبل أن تتكلم أدركت من ملامحها الجميلة
أنها تنتمي إلي أسرة طيبة.. ميسورة الحال.. لكن ما هي الأسباب التي زجت بها إلي
هنا.. تركتها تحكيها بنفسها.. قالت هند:
فتحت عيني علي الدنيا.. وجدت نفسي ابنة وحيدة مدللة لأبي الثري وأمي ربة المنزل،
اكتفيا بي.. كنت سر سعادتهما في الحياة.. لم يبخلا عليٌ بأي شيء أطلبه أو لا
أطلبه.. كانا حريصين أن يحمياني من أن أعيش لحظة حزن واحدة.. كانا يشتريان السعادة
لي بأي ثمن.. مرت بي السنون.. كبرت.. اتعلمت ازاي أسرح شعري لوحدي.. أخرج وحدي..
اتفسح مع صديقاتي.. كن يحسدنني علي حياة الترف التي أحياها.. دخلت الجامعة.. كبرت
أفكاري وبدأت أكوٌِن صداقات لي بنفسي لكن كلها كانت تفتقد التركيز أو التعقل..
العاطفة كانت الدافع الرئيسي للاختيار.. تخرجت في الجامعة عام ..2000 بعدها توافد
العرسان لطلب يدي من أبي.. حتي كان النصيب مع شاب يعمل في وظيفة محترمة.. تبادلنا
مشاعر الحب.. تزوجنا.. أنجبت توءما.. كانا كل حياتنا.. لم يحدث في حياتي الزوجية ما
يعكر صفوها أو يغير مشاعرنا تجاه بعضنا.. هو إنسان طيب القلب.. حنون.. يحترمني..
وأنا كذلك بالنسبة له.. لكن أيام السعادة هذه لم تدم طويلا كما كنت أعتقد أو أحلم..
كل حاجة حلوة في حياتي بدأت ترحل الواحدة بعد الأخري.. أبي كان أولها.. غلبه المرض
وتوفي.. رحل عنا وكانت أكبر صدمة لي في حياتي.. فأنا وحيدة وهو كان أبي وأمي
وأصدقائي في نفس الوقت.. وثانيها كانت الصدمة الكبري التي قلبت حياتي رأسا علي
عقب..!
*اخبار الحوادث
|