تعاطي المواد المؤثرة نفسيًا
لدى عينات من طلاب المدارس الإعدادية والثانوية في مدينة دمشق
مقدمة
تهدف الدراسة الحالية إلى تحديد مدى انتشار تعاطي المواد المؤثرة نفسياً(المُدَمِّنات) لدى اليافعين في عينة من المدارس الإعدادية والثانوية لمدينة دمشق في المراحل العمرية الواقعة في بداية ووسط وأواخر سن المراهقة . وإلى تقديم نظرة إجمالية عامة كخطوة أولى ضمن سلسلة خطوات . وتنبع أهمية هذه الدراسة من كونها الدراسة الأولى من نوعها-حسب علم الباحث- في سوريا والبلدان العربية عدا مصر التي تبحث مدى انتشار تعاطي المواد المؤثرة نفسياً في عينة سكانية مهمة، معرضة بسبب طبيعة المرحلة النمائية العمرية إلى إغراءات تجريب المواد الضارة بالصحة، الأمر الذي يحمل في طياته خطر تعرض هذه الفئة أكثر من غيرها إلى مخاطر الإدمان والتعاطي والانحرافات الصحية والاجتماعية الأخرى. كما وتنبع أهميتها من كونها لا تتعامل مع حالات مدمنة وإنما مع حالات يمكن أن تكون قد جربت نوع من أنواع المواد المؤثرة نفسياً الأمر الذي يرفع من احتمال الاعتمادية Dependence Liability ، وتتعامل مع قضية نفسية واجتماعية تمس المجتمع وعوامل استقراره وتتطلب التعامل معها على المستويات كافة. كما وتنبع أهمية الدراسة من كونها استخدمت استبانة واسعة مستخدمة في دراسات طولية متنوعة في ألمانيا( ليبزغ ونوردهاينفيستفالين) في جامعتي ليبزغ و بيليفيلد الأمر الذي يتيح إمكانات إجراء مقارنات عبر ثقافية.
ويعكس تعاطي اليافعين للمدمنات أسلوبا في التغلب على المتطلبات النمائية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تواجههم وأسلوبا في التعبير عن أنفسهم في بحثهم عن هويتهم الذاتية بسبب طبيعة المرحلة العمرية التي يمرون بها أكثر من كونها أنماط سلوك ثابتة كما هو الأمر لدى الراشدين، غير أنها تحمل خطر التحول إلى أسلوب ثابت إذا ما لم تتم إتاحة الفرص لهم في تعلم أنماط سلوك بديلة أكثر فاعلية في مواجهة متطلبات الحياة.
ويقوم الأساس المنهجي أو الطرائقي للبحث الحالي على دراسة مدى الانتشار الذي يعتبر الأساس الذي تقوم عليه جميع برامج الوقاية والتأثير Intervention. فتخطيط وتنفيذ برامج الوقاية الأولية ومنع أو تخفيض نسبة انتشار ظاهرة معينة كأنماط السلوك الصحي الخطر التي يمكن أن تقود إلى الإدمان أو الأمراض مثلا، لا يمكن تصوره دون توفر دلائل على مدى انتشار هذه الظاهرة ودون تحديد الفئات السكانية التي تنتشر ضمنها وارتباطها بالأوضاع الاجتماعية . و من هذا المنظور تشكل المعارف القادمة من دراسات الانتشار الأساس الذي تقوم عليه علوم الصحة (Hellmeier, Brand & Lasser, 1993) حيث يشكل وصف الظاهرة فيما يتعلق بمدى انتشارها وأهميتها، أساسا مهما لا يمكن الاستغناء عنه لكل مجالات علوم الصحة ويساعد في التعرف على مدى أهمية مشكلة ما ويلفت النظر إلى أهميتها وتقدير مدى ما تتطلبه هذه الظاهرة أو المشكلة من خطوات وإجراءات للتعامل معها. فدون معرفة حجم ومدى انتشار ظاهرة ما يصعب توجيه إجراءات الوقاية والتأثير إلى المجموعات الهدف (سويف ، 1996).
تحديد المفاهيم
الإدمان: يمكن لكل حاجة إنسانية أن تنحرف بشكل إدماني. ويمكن تعريف الإدمان بالمعنى العام بأنه حالة واضحة من التوتر والفراغ والرغبة القسرية لإنهاء هذه الحالة. وتشير المراجع المتخصصة إلى أن تأثير الإشباع في هذه الحالة يكون محدودا من الناحية الزمنية بسبب ارتباط هذه الحالة مع آلية التعلق النفسي والجسدي. ونتحدث عن التعلق الجسدي عند وجود حالة من الشعور بالضيق أو الآلام الناتجة عن سحب المادة المسببة للإدمان، إذا ما تم استهلاكها لفترة زمنية طويلة، أما التعلق النفسي فيتمثل في الانشغال الفكري الدائم بالمادة المسببة للإدمان واللهفة التي لا تقاوم إلى إحداث حالة مزاجية وتجنب عدم الارتياح ( سويف، 1996؛ Petermann,1994 ؛ Homann,1992 ؛ Mombour, 1992Dilling &) . وينظر في الوقت الراهن إلى كلا البعدين على أنهما بعدين مستقلين يمكن أن يمتزجا بنسب مختلفة Petermann,1994)). ويقصد بمصطلح المواد المؤثرة نفسياً ( المُدَمِّنات) dependence producing drugs مجموعة من المواد التي تسبب حالة من الاعتماد النفسي أو الجسدي أو كليهما معاً التي تصنفها منظمة الصحة العالمية حسب تركيبها الكيماوي إلى الكحول والأفيونات والقنبيات والمسكنات أو المنومات والكوكائين والمنشطات ويدخل في عدادها الكافيين والمهلوسات والتبغ والمواد الطيارة(Mombour, 1992Dilling &). وبهذا لا يقتصر مفهوم المواد المؤثرة نفسياً على المواد الممنوعة قانونيا أو المحرمة دينيا في بعض الأديان بل يمتد الأمر إلى مواد غير ممنوعة قانونيا كالكحول والكافيين والتدخين الذي يعد من أكثر المواد المؤثرة نفسياً انتشارا لدى الفئات السكانية وأكثر المواد جذبا لليافعين بسبب وظيفته التعويضية والرمزية حيث يواجه اليافعين به منذ نعومة أظفارهم من خلال الإعلانات أو وسائل الإعلام أو من خلال ملاحظة أفراد الأسرة في الحياة اليومية أو في المناسبات الاجتماعية التي يعتبر فيها تقديم السجائر من ضمن واجبات الضيافة.
ويقصد بالاعتماد dependence مجموعة من الظواهر الجسمية والنفسية والمعرفية، يحتل فيها استهلاك مادة ما أو مجموعة من المواد الأولوية مقابل أنماط السلوك التي كانت فيما سبق ذات أهمية بالنسبة للشخص المعني بهدف الحصول على تأثيرات نفسية معينة أو تحاشي المتاعب المترتبة على افتقادها (سويف،1996؛ Dilling, Mombour & Schmidt,1992 ). ويرتبط مع مفهوم الاعتماد مفهوماً آخر وهو مفهوم احتمالات الاعتمادية وهي الاحتمال في أن تحدث مادة ما الاعتماد بناء على خصائصها وعلى عوامل اجتماعية وفردية كتوافر المادة وسهولة الحصول عليها و الوظيفة التي يمكن أن تؤديها هذه المادة في حياة الفرد والنتيجة التي يقود إليها تعاطي المادة ومدى تعويضها لجوانب النقص في شخصيته..الخ.
تعاطي المواد المؤثرة نفسيا بوصفه سلوكاً مشكلاً لليافعين
يواجه اليافعون قي أثناء مرحلة العبور إلى سن الرشد عدداً كبيراً من التحديات والمشكلات في أثناء تغلبهم على المهمات النمائية المختلفة التي غالباً ما تظهر كلها في الوقت نفسه دفعة واحدة. ومن هذه المهمات النمائية صورة الجسد وتبني الدور الجنسي الجديد وبناء علاقات جديدة أكثر نضجاً مع الأتراب والتهيؤ لاختيار المهنة واكتساب الاستقلال العاطفي عن الأسرة والراشدين وبناء منظومة القيم الخاصة بهم بالإضافة إلى اكتساب الهوية الاجتماعية والشخصية وتنمية منظور مستقبلي (Orter & Montada, 1987) . ويرى سلبرآيسين و رايتسل(Silbereisen & Reizel, 1987) أن اليافعين يتولون مهماتهم النمائية بأنفسهم، أي أنهم يحثون ويضبطون مساعي النمو اللازمة بأنفسهم. وتقوم هذه الرؤية على أن التكيف بين الفرد والمحيط هو نتيجة للسلوك الخاص الذي يقوم به الفرد وبالتالي فإن اليافعين هم الذين يوجهون بأنفسهم مهماتهم النمائية. وهذا التوجيه للسلوك يحدث في إطار الحدود الموضوعة من قبل البيئة بشقيها المادي والاجتماعي تحت ظروف من عدم الوضوح والتعقيد والتناقض بين أهداف النمو وطرقه. وتطلق في المراجع المتخصصة تسمية " التنظيم الذاتي self-regulation على أسلوب ضبط النمو(Silbereisen, 1987). و يفسر كل من هوليرمان وروزيفيتس وولف (Hurrelmann, Rosewitz & Wolf,1989) الوضع من خلال نظرية التمركزfocal theory لكولمان Coleman التي ترى أن اليافعين يحاولون في مجرى حياتهم توجيه مجرى نموهم بحيث يتجنبون الإرهاقات وحدوث المشكلات. فإذا ما كان على اليافع مواجهة مجموعة كبيرة من المشكلات النمائية الملحة في الوقت نفسه، تكون ذخيرة الحلول غير كافية وبالتالي يحدث ما يسمى بإرهاقات النمو أو بتعبير آخر صعوبات التكيف. وهنا يمكن أن تكون ردة الفعل أنماط السلوك المشكلة، من ضمنها الجنوح والانحراف والتشرد والانتماء لمجموعات متطرفةّ واستهلاك أو تعاطي المواد المؤثرة نفسياً كالتبغ والكحول والمواد غير القانونية وبما أن هذه الأنماط من السلوك المشكل تظهر في سن اليفوع بصورة متكررة فإنه يمكن اعتبارها دلالة على شدة المشكلات وكثرتها في هذه المرحلة من العمر. ويفرق كل من سلبرآيسين وكاستنر(Silbereisen & Kastner,1987 : 898 ff.) بين خمسة مجالات من المشكلات النمائية تمثل بحد ذاتها اضطرابات مختلفة في التنظيم الذاتي:
1- المشكلات الناجمة عن فقدان الاستقلالية والمبادأة: وتظهر من خلال غياب الضبط لنتائج التأثيرات النمائية عند اليافع، بسبب إبطال التعديلات المقصودة لسياقات النمو من خلال تأثيرات خارجية أو حتى عكسها بالاتجاه المعاكس. وهنا لابد من توقع حدوث ضرر شديد في قيمة الذات. والمقصود بهذا الظروف القائمة في محيط اليافع والتي على الرغم من أنها تمكن من حدوث تعديلات متناسبة مع السن في الخبرة والسلوك غير أنه لا يمكن اعتبارها كنتيجة للسلوك ضمن السياق المعطى. وبما أنه هنا يتم مس نقطة هامة من سيرورة النمو من خلال قطع التنظيم الذاتي فلا بد وأن تكون العاقبة حدوث ضرر شديد في القيمة الذاتية لليافع. ونتحدث هنا عن فقدان الاستقلالية والمبادأة لأن المظهر الغالب هنا هو افتقاد اليافع إلى أي شكل من أشكال الضبط عبر نتيجة تأثيراته النمائية، بسبب تأثير العوامل الخارجية على التعديلات المرجوة لسياقات النمو أو بسبب تأثيرها بالاتجاه المعاكس،الأمر الذي يقود إلى الافتقاد للاستقلالية وللبدائل الممكنة.
2- خبرة فقدان المعنى:وتشبه خبرة فقدان الاستقلالية غير أن مكان تأثيرها يتمركز في غياب التوجه المستقبلي للشخص. فمن لا يستطيع بناء أو رؤية العلاقة بين الخطوات الجزئية والهدف الكلي ضمن سلسلة كاملة من الخطوات، بسبب غياب اتجاه القيم الذي يمنح المعنى فإنه يقف أمام مشكلة فقدان المعنى في النمو.
3- النقص في التكيف: تشترك مشكلات النمو الناجمة عن فقدان الاستقلالية وخبرة فقدان المعنى بأنها تشكك بصورة جوهرية في التنظيم الذاتي بصفته سمة للنمو. ونتحدث هنا عن مشكلة نقص التكيف في النمو لأنه يمكن لفقدان الاستقلالية والمبادأة أن تعيق التصرف تجاه موضوعات النمو المعنية، في حين تقود المشكلات النمائية الأقل حدة إلى تقييد التنظيم الذاتي دون قطعه بصورة كاملة. وهذا يعني أنه يمكن لسياق النمو أن يكون مشكلاً بالنسبة لمجال محدد من مجالات النمو وهذا يحدث إما لأن التأثيرات النمائية المتوفرة لا تقود لإحداث التعديلات المرغوبة أو لأنه لا يتم الوصول إلى مستوى النمو اللازم نفسه في حالة تبدل السياق.
4- تناقضات في التخطيط: يمكن لتوجهات النمو المختلفة، أي المواضيع أو المخططات أو المشاريع القائمة على النمو أن تتناقض مع بعضها بدرجات مختلفة أو تعيق بعضها.
5- صعوبات في التفاهم: إن النمو لا يحدث منعزلاً أبداً، وإنما يحدث في إطار وحدات اجتماعية كالأسرة أو في مجموعات الأتراب. وتقوم صعوبات التفاهم على أساس اضطرابات التواصل في التفاعل الاجتماعي مع أشخاص المحيط الاجتماعي الموثوقين كالأهل والأتراب. ويعتبر التفاعل الاجتماعي هنا مصدرا أساسيا من الخبرة والدعم والمقاومة، يعتمد عليه اليافعون. وتعتبر النشاطات المتمركزة على النمو دوافع أو أسباب لسلوك شريك التواصل الذي يمكن أن يكون موجها نحو نموه الذاتي أو نمونا. وعندما تكون توجهات النمو عند المشاركين مختلفة جدا تكون إمكانات التفاهم المشترك مقيدة. وهنا يمكننا أيضاً ملاحظة وجود فروق في مشكلات النمو وذلك حسب المجالات النمائية المتضررة وفيما إذا كانت المجالات المتضررة من خلال اضطرابات التواصل عبارة عن مجالات منفردة أم جميعها إلى حد ما.
ويعتبر تعاطي المواد المؤثرة نفسياً وفق هذا المنظور محاولة ممكنة في التعامل مع المشكلات النمائية المميزة لهذه السن ولا يفسر على أنه اتجاه منحرف، ويتم التركيز على الأشياء المشتركة لكل أنماط السلوك والمشكلات التي تميز اليافعين بدلاً من فصلها عن بعضهاBruendel & Hurrelmann,1996)). ويمكن الاستنتاج هنا أن تعاطي المواد المؤثرة نفسياً عبارة عن استراتيجية ضمن استراتيجيات أخرى تهدف إلى مواجهة متطلبات الحياة وتمثلها، وبالتالي فإن محاولات التغلب على متطلبات الحياة أو التكيف بالمعنى العام تشتمل على أشكال صالحة وغير صالحة، فاعلة وغير فاعلة من الاستراتيجيات. ولابد هنا من النظر لأشكال التكيف غير الصالحة أو غير الفاعلة التي يعد تعاطي المواد المؤثرة نفسياً من ضمنها على أنه كاشف على مدى التضرر الحاصل في تسلسل خطوات التغلب الموجه ذاتيا من قبل اليافع.
وينظر هوريلمان ( Hurrelmann,1991) للتعاطي على أنه شكل من التفاعل الموجه والمتنامي لليافعين مع بيئتهم وفي الوقت نفسه تعبير عن ذخيرة غير كافية في كفاءات الحياة و دعامة لتثبيت القيمة الذاتية غير المستقرة. ومن خلال هذا الشكل المشكل من التكيف أو تذليل متطلبات الحياة يسلك اليافعون طريق التلاعب بصحتهم الجسدية والنفسية والاجتماعية، الذي لا يقود في النهاية إلاّ إلى الضرر.
الوظيفة التي يمتلكها التعاطي في نمو اليافعين
تشير نتائج الأبحاث المتوفرة للباحث
(Silbereisen & Kastner,1985; Hurrelmann & Vogt, 1985; Jessor, 1984, Franzkowiak,1985)
إلى أن تعاطي المواد المؤثرة نفسياً ( تبغ، كحول ، أدوية نفسية، مخدرات..الخ) يمكن أن يشبع حاجات متنوعة في هذه السن. وأنه إذا ما أردنا فهم هذه الوظيفة ينبغي لنا في البداية فهم وتحديد المهمات النمائية في هذه المرحلة من العمر والأساليب المتاحة لليافعين في مواجهة هذه المهمات. وبناء على ذلك يشكل التعاطي في هذه السن شكلاً من أشكال التعامل مع المشكلات والمهمات النمائية ويمكن أن يحقق مجموعة من الوظائف الاجتماعية. ومن هذه الوظائف التي يمكن للتعاطي عند اليافعين تحقيقها الخرق المقصود لتصورات القيم الأسرية والاجتماعية، والتي تطلق عليها في علم النفس تسمية متلازمة عدم الامتثال nonconformism-syndrome ، أي عدم الخضوع والتمرد على القيم والعادات التي تمثلها مجموعة اجتماعية ما والتي تتمثل دلالتها الرمزية في كونها:
- رمزا للنضج ومحاولة التعبير عنه بطريقة استعراضية،
- وتقليداً رمزيا لأنماط سلوك الراشدين،
- وتفتح إمكانية الانتماء إلى مجموعات الأتراب كتعبير عن المشاركة في أسلوب الحياة الذي يميز هذه المجموعة ،
- ونوعا من السلوك الطقسي المفرط أو المبالغ به،
- ووسيلة للتمتع بمشاعر الحرية الفردية،
- ومحاولة لتحقيق الاسترخاء من خلال التمتع بتعاطي المواد المؤثرة نفسياً،
- وتعبيراً نمطياً مميزاً لليافعين في حالة غياب الضبط الذاتي،
- وسلوكاً تعويضياً بديلاً مخففاً وموازناً عند وجود مشكلات نفسية واجتماعية وإرهاقات وضغوط نفسية اجتماعية حادة في مجرى النمو( رد فعل طارئ).
وبناء على ذلك يمكن للتعاطي أن يمتلك وظيفة استعراضية ووسيلية تعويضية ومنظمة للإرهاق والضغوط مع الإشارة إلى وجود دوافع مختلفة تلعب دوراً كمنطلق لهذا السلوك. ويمكن أن تكمن خلف تعاطي المواد المؤثرة نفسياً دوافع ذاتية تمتلك كمية من المعاني الجذابة والمتنوعة وتعبر عن سعي اليافع إلى مواجهة متطلبات التكيف . وبالمعنى نفسه تقريبا يشير نوردلونه(Nordlohne, 1992) إلى أنه يمكن فهم السلوك الخطر الذي يتم اختياره بشكل فردي ، كالتدخين ، على أنه رد فعل من أجل التغلب على الإرهاقات وأزمات التوجه وعلى عدم الثقة المزمنة والحادة .
ومن منظور بناء الهوية الفردية والاجتماعية، الذي يعد منذ ايريكسون (Erikson,1974) من المهمات النمائية المهمة والأساسية ( عن Oerter, 1987:295) فإن لتعاطي المواد المؤثرة نفسياً وظيفة التعويض عن الضرر أو الخلل في مشاعر القيمة الذاتية أيضا باعتبارها مظهرا انفعاليا عاما للهوية أو وظيفة حماية الذات من عواقب التقييمات السلبية.
ويعتبر الحصول على الاعتراف ضمن مجموعات الأتراب وجمع خبرات الحياة واكتساب الكفاءات من الحاجات النمائية الملحة لليافعين في هذه المرحلة من نموهم ( زهران، 1977؛ Oerter, 1987). ويمكن للتدخين مثلاً أن يحقق إشباعا قصير الأمد لمثل هذه الحاجات ويقدم إسهاما إيجابيا ظاهرياً في الإحساس بالصحة النفسية والإيجابية. فمن خلال ممارسة اليافع للسلوك المقبول من قبل مجموعة الأتراب يحصل على الاعتراف والشعور بالانتماء ويحقق بالتالي من خلال هذا الطريق مهمة من المهمات النمائية. ويمكن تفسير هذه الآلية على المستوى النفسي من خلال اعتبار أن اهتمام اليافعين يتمركز حول الرغبة بالظهور بمظهر المحبوبين والمؤكدين لذواتهم والراشدين والأشداء والمستقلين والأذكياء و المظهر الجيد (زهران، 1977؛ Fuchs et al.1989)، وعندما يعتقد اليافع بأنه لا يمتلك السمات الإيجابية المقدرة تقديرا عاليا في الأسرة ومجموعة الأتراب أو المدرسة أو عندما لا يجد تعزيزا إيجابيا من قبل البيئة لمثل هذه السمات فإن ذلك يمكن أن يترافق مع الإحساس بفقدان قيمة الذات. بالإضافة إلى ذلك فإن التغيرات الفيزيولوجية والنفسية الكبيرة والسريعة التي تحصل في فترة المراهقة تقود إلى ازدياد حدة التركيز على الذات وتصبح موضوعاً للمراقبة الذاتية المكثفة، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تعزيز الشعور بعدم الثقة بالنفس.
ويرى كابلان ( Kaplan,1980) بأنه إذا ما وجد اليافع أن محيطه المرجعي الأساسي (كالأهل أو المدرسة…الخ) يسعى بشكل مباشر أو غير مباشر إلى التقليل قيمة الذات عند اليافعين، على نحو عدم تقبل إنجازاتهم واحترام رأيهم ومشاركتهم في اتخاذ القرار…الخ، فإن ردة الفعل الغالبة هي عدم تقدير واحترام معايير هذا الإطار المرجعي والتمرد عليه من خلال ممارسة أنماط السلوك التي يرفضها الإطار المرجعي لليافع. وهنا يمكن تفسير أنماط السلوك المنحرفة على أنها رد فعل على إحباط دافع تقدير الذات من قبل المحيط. بعد ذلك ينشأ الميل عند اليافع للبحث عن سياقات أو مجموعات معينة تحظى فيها أنماط السلوك الخطرة التي يمارسها بالتقدير الإيجابي، وبمجرد إيجاد هذه السياقات أو المجموعات والانخراط فيها تقوم هذه من جهتها بممارسة الضغط على الفرد للتصرف وفق التوقعات والمعايير التي تتسم بها (Silbereisen & Reitzele, 1987: 136). عندئذ يحتل تعاطي المواد المؤثرة نفسياً وظيفة معزز اجتماعي ومرمم للإحساس بمشاعر النقص في قيمة الذات. ذلك أنه عندما يتبنى اليافع نفسه عادات المجموعة التي ينتمي إليها في الاستهلاك ويمارسها بفاعلية يصبح محترماً ومقدراً من أصدقائه المدخنين أو الذين يتناولون الكحول أو يتعاطون أي نوع آخر من المواد المضرة بالصحة. ومن خلال هذا الطريق يكون قد توفر عامل أساسي من العوامل التي تسهم في استقرار مفهوم الذات بشكل إيجابي، أي أن أنماط السلوك الخطيرة و الضارة بالصحة تتحول هنا إما إلى وسيلة لتخفيض التباعد المعاش بين تصور الذات المثالي والواقعي على المدى البعيد أو أنها تساعد على تجنب التمركز حول الذات وبهذا تجنب التقدير السلبي لها على المدى القصير على الأقل(Fuchs et al., 1989. وعلى هذه الخلفية يمكن أن يمتلك تعاطي المواد المؤثرة نفسياً عواقب اجتماعية وانفعالية مهمة مثل منحه الإحساس الظاهري بالصحة الجسدية والنفسية الجيدة والدعم الاجتماعي والخبرة الإيجابية لوقت الفراغ والمحبة والجاذبية. وهذا ما يفسر سبب تحمل اليافعين للمخاطر المرتبطة بالسلوك المشكل واندفاعهم نحوه.
ويعزو فوكس وآخرون (Fuchs et al., 1989) إقدام اليافعين على ممارسة السلوك الصحي الخطر إلى مفهوم الصحة عند اليافعين الذي يتمركز حول الحاضر بالدرجة الأولى ويدفع بالفوائد الفردية والاجتماعية والنفسية المحققة من خلال التعاطي إلى المقدمة وإلى عدم إدراك أو تجاهل مخاطر هذا السلوك على المدى البعيد، وكذلك يرى فرانسكوفياك (Franzkowiak, 1985:32) أن المغامرة بالصحة الجسدية هي أقرب لأن تعبر عن أسلوب لتحقيق الذات أكثر من كونها صعوداً مقصوداً في طريق السلوك الخطر الذي ربما يلحق الضرر بالصحة يوما ما.
منهج الدراسة وإجراءاتها
العينة: تكونت عينة الدراسة من 950 طالباً وطالبة من طلاب الصف السابع والتاسع من المرحلة الإعدادية والعاشر والثاني عشر من طلاب المرحلة الثانوية اختيروا من مدارس مدينة دمشق مع مراعاة التوزع الجغرافي لمدارس المدينة. وتمشيا مع أهداف الدراسة فقد أجريت الدراسة على طلاب الصفوف المذكورة أعلاه الذين كانوا موجودين في هذه المدارس في وقت التطبيق. بلغ عدد طلاب المرحلة الإعدادية 460 طالبا وطالبة منهم 184 من الصف السابع بنسبة وقدرها 48,5% من العينة ككل و 276 من الصف التاسع وعدد طلاب المرحلة الثانوية 490 طالباً وطالبة بنسبة مقدارها 51,5% من العينة ككل. (240 من الصف العاشر و 250 من الصف الثاني عشر) وتراوح المدى العمري للعينة بين 12 و 19 سنة بمتوسط مقداره 15,5 سنة. وتمركز 79,5% من العينة في المدى العمري الواقع بين 14 و 18 سنة في حين كان 14,1% من العينة واقعا بين 12و 13 سنة و 6,4% واقعا بين 18 و19 سنة.
المقياس:استخدمت في هذه الدراسة استبانة تم تصميمها بهدف التعرف على تكرار تعاطي المواد المؤثرة نفسياً في جامعتي ليبزغ وبيلفيلد بألمانيا وفق دليل المقابلة التشخيصي العالمي لمنظمة الصحة العالمية المتوافق مع التصنيف العاشر للاضطرابات النفسية الصادر عن منظمة الصحة العالمية . (ICD-10، بهدف إجراء دراسات طولية للتعرف على أنماط السلوك الصحي الخطر وتحديد مدى الانتشار وإيضاح بعض العوامل المساهمة فيه وتصميم برامج وقاية وإرشاد مناسبة. ويعد الجزء المتعلق بانتشار تعاطي المواد المؤثرة نفسياً جزءاً من مجموعة أكبر من الاستبيانات التي هدفت إلى قياس متغيرات اجتماعية واقتصادية ومستوى معرفة اليافعين بالمواد المؤثرة على الأعصاب والكفاءة الذاتية لليافعين واتجاهاتهم نحو التعاطي والطموحات والأهداف الشخصية التي يرغب اليافعون بتحقيقها.
وتحقيقاً لأهداف الدراسة الحالية اقتصر الباحث على الجزء من الاستبانة المتعلقة بتكرار انتشار تعاطي المواد المؤثرة نفسياً وهي عبارة عن مقابلة مبنية تتضمن معلومات حول ما إذا كان اليافع مدخناً مثلاً وتكرار التدخين في الأشهر الثلاثة الأخيرة وعدد الأصدقاء المدخنين….الخ (أنظر الملحق رقم 1). وقد تم حساب الثبات بالنسبة للمتغيرات الداخلة في هذه الدراسة بتطبيق الاستبيان في فترتين زمنيتين يفصل بينهما أسبوع واحد على عينة من طلاب الصف العاشر الذكور عددها 38 طالباً. وبلغت معاملات الثبات كالتالي: التدخين 0.66، سن بدء التدخين 0.64 ، عدد السجائر المدخنة يومياً 0.64، نوايا التدخين في السنة القادمة 0.62، عدد الأصدقاء المدخنين 0.63، تناول الحبوب الأدوية المهدئة 0.76 تناول المشروبات الكحولية 0.61، عدد الأصدقاء الذين يتناولون الكحول 0.62، تعاطي الحشيش 0.88، الرغبة في تجريب مشاعر الشخص الذي يتعاطى الحشيش 0.76، تناول المادة لو عرضت مجاناً 0.83، معرفة شخص من المحيط يتعاطى المخدرات 0.88. وجميع معاملات الثبات مرتفعة الأمر الذي يجعلنا الانطلاق من ثبات جيد للاستبانة.
عرض النتائج
سيتم الاقتصار في عرض النتائج على عرض النتائج المتعلقة بالمسألة الرئيسية لهذه الدراسة والمتعلقة بمدى انتشار تعاطي المواد المؤثرة على الأعصاب لدى طلاب المرحلتين المذكورتين. مع الإشارة إلى أنه تم الاستغناء عن المقارنة بين الجنسين في هذه المرحلة من الدراسة –رغم أهميتها- على أن تؤخذ بعين الاعتبار في دراسات لاحقة مخصصة لهذا الهدف.
2.- مناقشة النتائج المتعلقة بانتشار تناول المواد الكحولية والأدوية المهدئة
أدخل انتشار تناول المشروبات الكحولية والأدوية المهدئة ضمن هذه الدراسة على سبيل الاستيفاء ومراعاة للتصنيفات العالمية في هذا المجال.
ويعتبر انتشار تناول الكحول لدى اليافعين على المستوى العالمي أقل من انتشار التدخين لارتباط تناول المشروبات الكحولية بقيود مكانية وطقوس اجتماعية معينة ( كالمناسبات الاحتفالية فقط). ويسري هذا على المجتمع السوري بصورة عامة بالإضافة إلى أن تناول المشروبات الكحولية في سورية لا يعد من ضمن العادات الاجتماعية اليومية التقليدية ويبقى تناوله ضمن إطار مناسبات احتفالية محددة . وتشير النتائج إلى أن البيرة هي أكثر المشروبات الكحولية تناولاً - ربما لوجود تسامح اجتماعي فيما يتعلق بتناول البيرة أكثر من تناول المشروبات الكحولية الأخرى- حيث تبلغ نسبة من يتناولون البيرة 8,1 % من العينة ككل تتوزع بين 4,1 في المرحلة الإعدادية و 12,8% للمرحلة الثانوية علما أن النسبة الأكبر تقع ضمن فئة شاربي المناسبات ( بين 1-3 مرات في الشهر ) 3,9% في المرحلة الإعدادية مقابل 10,8% للمرحلة الثانوية في حين تشكل نسبة من يشربون البيرة يوميا 0% مقابل 0,4% وهي نسبة ضئيلة.ويأتي النبيذ في الدرجة الثانية بعد البيرة من حيث نسبة الانتشار حيث تبلغ نسبة من يتناولون النبيذ 3,1% من العينة ككل يتوزعون في غالبيتهم ضمن فئة شاربي المناسبات ( بين 1-3 مرات في الشهر) 2,4% من العينة ككل في حين تنخفض نسبة من يشرب النبيذ بشكل يومي تقريبا إلى 0,5% . وبشكل مترابط مع المرحلة العمرية النمائية فإن الانتشار النسبي لتناول النبيذ لدى طلاب المرحلة الثانوية أعلى منه لدى طلاب المرحة الإعدادية 3,5% ككل لدى طلاب المرحلة الثانوية مقابل 1,7% لدى طلاب المرحلة الإعدادية. ويأتي في الدرجة الثالثة العرق وكحوليات أخرى حيث تبلغ نسبة انتشار تناوله أدنى نسبة - ضمن نسب الانتشار الضئيلة أصلا والمتناسبة مع طبيعة المرحلة العمرية النمائية- فتبلغ 0,2% لدى عينة طلاب المرحلة الإعدادية وهذه النسبة هي عبارة عن شاربي مناسبات بين 1-3 في الشهر و 2,8% لدى طلاب المرحلة الثانوية منهم 2,2% من شاربي المناسبات و0,2% من شاربي العرق بصورة يومية تقريبا. ومن هنا لا يمكن الحديث عن ظاهرة منتشرة ، مع الإشارة إلى وجود نسبة تبلغ 22,2% من العينة ككل التي تملك اتصالاً مباشرا مع موضوع الخطر من خلال تعاملها مع أصدقاء يتناولون الكحول. وارتفاع هذه النسبة لا يعني بالضرورة أن هؤلاء الأصدقاء يتناولون المشروبات الكحولية بالفعل وإنما قد تعكس وجود موقف متسامح من موضوع الكحول بصورة عامة فحسب. غير أنه يسري هنا ما يسري على التدخين أيضاً. ففي الدراسات المصرية في هذا المجال على عينات واسعة من طلاب الثانوي والجامعات وجد أن وجود أقارب أو أصدقاء يتعاطون مواداً مؤثرة نفسياً يلعب دوراً حاسماً وكبيراً في تعاطي الإنسان لهذه المواد سواء أكانت مخدرات طبيعية أو أدوية نفسية أو مشروبات كحولية. ويمكن تفسير الأمر من خلال الاقتداء أو أية عملية أخرى من عمليات التعلم (سويف، 1996 ص 89- 94).
وفيما يتعلق بموضوع تناول الأدوية المهدئة يلاحظ أن النسبة الغالبة ممن جربوا تناول الأدوية المهدئة هم في سن المرحلة الإعدادية إذ تبلغ النسبة 15,2% مقابل 7,1% من طلاب المرحلة الثانوية في حين تتساوى نسبة القرب من مصدر الخطر لدى العينتين تقريبا من خلال معرفة شخص ما من المحيط يتناول الحبوب المهدئة 15,2% مقابل 14,5% في العينتين. وهنا يمكن الإشارة إلى أن الإرهاقات المرتبطة بنهاية المرحلة الإعدادية في سوريا قد تكون السبب في ارتفاع نسبة من جربوا تناول الأدوية المهدئة، غير أن الأمر يحتاج إلى تقصٍ علمي . وتدفع هذه النتيجة إلى استخلاص ضرورة البدء ببرامج التوعية والإرشاد المتعلقة بمخاطر الإدمان على تناول الأدوية المهدئة في فترة مبكرة من المراحل النمائية وكذلك إلى ضرورة دراسة المتطلبات النمائية المرهقة في هذه المرحلة وفهمها ووضع أسس واستراتيجيات مناسبة للتخفيف منها وتجنبها.
3.- مناقشة النتائج المتعلقة بانتشار تناول المواد المؤثرة على الأعصاب ( المخدرة)
يعتبر تعاطي أو تجريب تناول المواد المؤثرة على الأعصاب( المخدرات) من أخطر المواد المؤثرة نفسياً لما لها من تأثيرات نفسية واجتماعية واقتصادية ضارة ومدمرة. وبالتالي فهي تستحق عناية خاصة من حيث معرفة مدى الانتشار وتوزعه بغية إعداد البرامج النفسية الوقائية والإرشادية المناسبة من أجل منع استفحال هذه الظاهرة. وتحتل مواجهة هذه الظاهرة في سن اليفوع أهمية خاصة باعتبار أن هذه المجموعة تشكل هدفا مهما لترويج المواد المخدرة وبسبب الطبيعة العمرية النمائية لهذه الفئة التي قد تغامر في تجريب المادة لا رغبة في تعاطيها وإنما على سبيل التجريب ومعرفة آثارها، فتدفع اليافع فيما بعد إلى طريق الانحراف الاجتماعي والجنوح والإدمان. ومن الملفت للنظر هنا وجود نسبة انتشار تثير القلق لتعاطي المواد المؤثرة على الأعصاب لدى طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية. إذ أن نسبة مقدارها 1,7% من طلاب العينة ككل ( 16 طالب وطالبة) قد أجابوا بأنهم يتناولون المخدرات بشكل يومي تقريبا ( الجدول 15) وتقع غالبيتهم في سن المرحلة الإعدادية 2,4% ( 11 طالب وطالبة) مقابل 1% (5 طلاب) في المرحلة الثانوية . ويوجد طالب واحد في عينة المرحلة الإعدادية 0,2% مقابل لاشيء في المرحلة الثانوية يتعاطى المادة بين 3-4 مرات أسبوعيا وثمانية طلاب من عينة المرحلة الإعدادية بنسبة مقدارها1,7% مقابل لاشيء في المرحلة الثانوية ممن يتعاطون المادة بين 1-2 في الأسبوع وهناك 5 طلاب من عينة المرحلة الإعدادية بنسبة مقدارها 1,1% مقابل طالبين من عينة المرحلة الثانوية بنسبة وقدرها 0,4% ممن يتعاطون المادة بين 1-3 مرات في الشهر وطالب واحد من عينة طلاب المرحلة الإعدادية(0,2%) مقابل 5 من عينة طلاب المرحلة الثانوية (1%) ممن يتعاطون المادة أقل من مرة في الشهر. ومع تحفظ الباحث على هذه النتيجة فإنه يمكن الانطلاق من أنها مؤشر نسبي يتيح التقييم الأولي ومكان تركيز برامج التوعية والوقاية والإرشاد.
وتتيح النظرة الشاملة لنسبة الانتشار وضع تقييم أفضل للنسبة، فهناك نسبة كلية تبلغ 3,8% منها نسبة مقدارها 5,6% في عينة المرحلة الإعدادية و 2,4% قي عينة المرحلة الثانوية ممن يتعاطون المادة سواء بشكل يومي تقريبا أم أقل من مرة في الشهر وتعتبر هذه النسبة عالية إلى حد ما معممة على المجتمع الأصلي أو على مجموع السكان ككل. فمقدار التضرر الناجم عن ممارسة نمط سلوك معين يحدد مدى خطورته أكثر من مؤشر النسبة المئوية لانتشاره. وهذه النتيجة تشير إلى نقص معرفي حول مخاطر التعاطي و تؤكد على ضرورة البدء المبكر جدا في برامج التوعية المباشرة وإعداد البرامج التربوية الوقائية منها والإرشادية المناسبة ونشر المعرفة العلمية المتناسبة مع السن حول مخاطر التعاطي وإتاحة الإمكانات السلوكية البديلة الأكثر صحة وفاعلية .
وتؤيد نتيجة وجود نسبة مقدارها 12,6 من العينة ككل ( 10% في عينة طلاب المرحلة الإعدادية و 15,1% في عينة طلاب المرحلة الثانوية ) ترغب في تجريب مشاعر الشخص الذي يتناول المادة ، تؤيد وجود نقص معرفي حول مخاطر التعاطي وتشير إلى استعداد محتمل للبدء بالتعاطي عند توفر المادة( استعداد متصوَر ممكن) ، غير أن هذه النتيجة لا تتطابق كلية مع الاستعداد لتجريب مادة مخدرة حين عرضها مجاناً ( استعداد فعلي ممكن) إذ أن 7,8% من العينة ككل منها 5% من عينة طلاب المرحلة الإعدادية و 10,3% من عينة طلاب المرحلة الثانوية تتراوح آرائها بين (ربما نعم) و (ممكن) و(أقل احتمالاً ) ( الجدول 17) مما يعني أن الرغبة في معايشة مشاعر تناول المادة قد لا تتطابق بالضرورة مع وجود استعداد فعلي لتعاطيها أو أن مدى التوفر الفعلي للمادة( إمكانية الحصول عليها) قد يقود إلى محاولة تجريبها بالفعل عند من يملك رغبة في معايشة مشاعر التعاطي ( البداية الفعلية لطريق الإدمان).
وتوجد نسبة واقعة بين 4,1% من عينة طلاب المرحلة الإعدادية و 8,8% من طلاب المرحلة الثانوية ممن هم على اتصال مباشر أو غير مباشر مع الخطر من خلال معرفتهم لشخص من محيطهم يتناول المواد المخدرة وهنا يظهر أن نسبة عينة طلاب المرحلة الثانوية أعلى من نسبة طلاب المرحلة الإعدادية، غير أن هذه النتيجة لا تتناقض بالضرورة مع نسب انتشار التعاطي عند طلاب العينتين. وهذا عامل يستدعي الانتباه من ناحية إمكانية انزلاق هذه الفئة في محاولة التجريب لإمكانية توفر المادة أو لعوامل أخرى أسرية واجتماعية.
ويظهر التوقع التنبؤي السنوي بقاء نسبة الانتشار ضمن معدل منخفض نسبيا فالاحتمال والتأكد لدى عينة المرحلة الإعدادية يبلغان النسبة نفسها 0,7% ولدى عينة المرحلة الثانوية بين 1% و 0,8% ( الجدول 19).
ويحتاج تفسير انتشار التعاطي لدى عينة المرحلة الإعدادية أكثر من عينة المرحلة الثانوية إلى تقص أدق وأشمل لإعادة إثبات هذه النتيجة. وأي تفسير لهذه النتيجة هنا يظل مجرد تخمينات قد لا تعكس الواقع الحقيقي. فقد يكون الأمر مرتبطاً بخصائص سحب العينة. أو أن طلاب المرحلة الإعدادية كانوا أقل حذراً في الإجابة من طلاب المرحلة الثانوية. كما ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء الإرهاقات والضغوط التي يتعرض لها طلاب المرحلة الإعدادية حيث يتقرر جزء كبير من مصيرهم في هذه المرحلة. وتشير هذه النتيجة إلى أن سن الخطر يكمن في المرحلة الإعدادية ( 13-16 سنة ) بالنسبة للبدء بالتعاطي. وارتفاع هذه النسبة هنا بالذات يقود إلى تقليل النسبة في المرحلة الثانوية، إذ أنه من البديهي أن من يتعاطى المواد المخدرة في هذه السن لن يستطيع الوصول للمرحلة الثانوية.
خلاصــــة واستنتاجات
تهدف التربية الصحية إلى التعديل الإيجابي للسلوك المتعلق بالصحة وذلك من خلال التأثير المباشر وغير المباشر على مستويات المعرفة والدافع والاتجاهات وظروف الحياة وتتوجه إلى المجموعات والأفراد وتستند بشكل خاص إلى النشاطات التي تجري ضمن الأسرة والمؤسسات التربوية والتعليمية من أجل إيصال المعارف والمهارات والكفاءات اللازمة التي تتيح إمكانية النمو الذاتي وتنمية السلوك الصحي الواعي( Lasser, Hurrelmann & Wotters, 1993). وتشكل أنماط وأساليب سلوك الأشخاص والمجموعات التي تقوم على التعامل مع التبغ والكحول واستهلاك الأدوية وتعاطي المواد المؤثرة نفسياً إحدى المجالات المهمة للتربية الصحية والوقاية. وتعد الأشكال غير المضبوطة من استهلاك هذه المواد من عوامل الخطر التي تسبب تضررات صحية أو تعد عوامل خطر على الصحة ذات عواقب طويلة الأمد تشمل المركبات النفسية والاجتماعية والجسدية وبالتالي فهي تمس نمو الشخصية ككل (Nordlohne,1992). وتشير نتائج الدراسات الطولية التي أجراها كل من كانديل ولوغان (Kandel & Logan,1984) حول استهلاك مجموعة من المواد القانونية وغير القانونية المؤثرة نفسياً أن استهلاك الكحول والتبغ والمواد النفسية يبدي خلال فترة الحياة تغيرات تتعدل بصورة منهجية مع التقدم في السن. وبناء على ذلك يرتفع خطر الاستهلاك الأول للتبغ حتى سن الخامسة عشرة، ويشكل سن السادسة عشرة قمة الخطر في حين ينخفض منحنى الاستهلاك الأول بعد سن الثامنة عشرة. ويقع خطر الاستهلاك الأول للمواد غير القانونية في المجال العمري الواقع بين سن 14-18. ويمكن الاستنتاج هنا أن إمكـانية (( ممارسة الخطر)) المتمثل في التدخين وتناول الكحول وتعاطي المواد المؤثرة نفسيا تصل إلى ذروتها في سن اليفوع الذي تعد المراهقة من ضمنه(Silbereisen,1992). ويطلق كل من جيسور وجيسور (Jessor & Jessor,1993)على هذه المرحلة تسمية " طور الخطر " وتشير هذه التسمية إلى أن ارتفاع نمط الاستهلاك المليء بالمخاطر وشدته في هذه المرحلة العمرية وإلى الأهمية التنبؤية لأنماط السلوك الخطيرة على الصحة في سن اليفوع. وهذا ما يؤكد أن سن اليفوع هو السن المناسب لتوجيه الإجراءات الوقائية المنمية للصحة والحاثّة على السلوك الصحي أيضا وبالتالي تشكل هذه السن هدفا مهما للوقاية من تعاطي المواد المؤثرة نفسياً والضارة بالصحة.
من جهة أخرى تشير الدراسات إلى أن إجراءات الوقاية الموجهة لليافعين على شكل توعية حول المخاطر الصحية المترتبة على التعاطي لا تلاقي الفاعلية والتقبل المرجوين (Hurrelmann,1993)، بسبب المبالغة في التركيز على الإجراءات المتمركزة حول الفرد واستبعاد ظروف الحياة التي يحدث السلوك الخطر في سياقها وعدم مراعاة الكافية للدوافع المؤيدة والمعارضة للسلوك الصحي عند اليافعين وإهمال الأطر الوظيفية لأنماط السلوك الخطرة لدى هؤلاء ونقص مراعاة المظاهر النفسية النمائية.
وقد قدم كل من كاستنر و سلبرآيسين (Kastner & Silbereisen,1990) مساهمة مدعمة بالمظاهر النفسية النمائية حول إشكالية تعاطي المواد المؤثرة نفسياً في سن الطفولة واليفوع، تقدم طريقاً نحو فهم جديد للوقاية من التعاطي حيث يعتبران أن استهلاك المواد المؤثرة نفسيا ليس إلا مجرد شكل أو مظهر واحد من عدة أشكال لمظاهر السلوك المشكل لليافعين في سياق مجرى النمو. ووفق هذه الرؤية يتصف تعاطي المواد المؤثرة نفسيا بوظيفة تلاؤمية adaptive function أمام الصعوبات في هذه السن.
وقد تمثل الهدف الرئيسي للدراسة الحالية في تقصي مدى انتشار تعاطي المواد المؤثرة نفسيا أو المؤثرة نفسياً
(المُدَمِّنات) في عينة من طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية في مدارس مدينة دمشق بهدف تقديم معارف قاعدية يمكن الاستناد عليها في أثناء وضع خطط وبرامج الوقاية النفسية من مخاطر المواد المؤثرة نفسياً .بالإضافة إلى ذلك يمكن أن تساعد النتائج الحالية في وضع تصورات بحثية لاحقة حول العلاقات والأسباب الكامنة خلف تعاطي المواد المؤثرة نفسيا ( نماذج بانية للفرضيات) واشتقاق استراتيجيات وقائية هادفة وموجهة لمجموعات محددة من الطلاب بهدف التقليص من انتشار الظاهرة إلى أدنى حد ممكن وبالتالي تجنب خطر انزلاق اليافعين في مخاطر الإدمان بأشكاله المختلفة فيما بعد. وتكتسب هذه المرحلة العمرية أهمية خاصة بسبب كون تعاملها مع المواد المؤثرة نفسياوتعاطيها يحمل ديناميكية خاصة تختلف عن ديناميكية التعاطي عند الراشدين، الأمر الذي يتيح لبرامج الوقاية والإرشاد إمكانات أكبر في التأثير ومنع أن يتحول هذا السلوك إلى نمط سلوك ثابت ومستقر فيما بعد وذلك من خلال تقديم أنماط سلوكية أكثر جاذبية و فاعلية في مواجهة متطلبات المراحل العمرية النمائية الحرجة التي يمر بها اليافع في أثناء نموه.
وما يميز هذه الدراسة تعاملها مع فئات سكانية غير مدمنة في الأصل، ومعرضة بنسب معينة للانزلاق في ممارسة أشكال مختلفة من السلوك الخطر.
وعلى الرغم من أن حجم العينة كان كبيراً نسبياً إلا أن توزع الطلاب على المرحلتين الإعدادية والثانوية والصفوف المختلفة قلل من إمكانية إجراء تصنيف لاحق للعينة إلى ذكور وإناث والمقارنة بينها. وكانت النسب المئوية الناتجة من مثل هذا التحليل ضئيلة جداً بحيث أنها أفقدت التحليل قيمته. لذلك رأينا في هذا البحث الاقتصار على النظرة الإجمالية كخطوة أولى مع عدم إغفال ضرورة مراعاة عامل الجنس في تحليلات لاحقة.
ومن الجدير بالذكر أن مثل هذا النوع من الأبحاث يتجاوز قدرة الأفراد منفردين على التنفيذ، إذا ما أردنا أن نأخذ جميع أبعاد الظاهرة بعين الاعتبار. ومن هنا كان أحد أهداف هذا البحث لفت نظر المؤسسات المعنية لهذه الظاهرة بغية وضع استراتيجية أو خطة بحث واسعة لتنفيذ مثل هذا النوع من البحوث. ودراسة العلاقات بين المتغيرات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية.
وبغض النظر عن المساوئ الطرائقية للاستبانات في الكشف الدقيق عن مظاهر وأنماط السلوك الخطرة والميل إلى التزوير( المتعمد وغير المتعمد) والمرغوبية الاجتماعية في أثناء الإجابة فإنها تبقى الطريقة الوحيدة في دراسات الانتشار للكشف عن ممارسة إنسان ما لنمط سلوك معين من خلال سؤاله المباشر. ويعتبر هنا أسلوب اختيار العينات والتخطيط الدقيق لبرنامج البحث من العوامل المساهمة في خفض المساوئ الطرائقية للاستبانات، وهي تقدم مؤشرات أقرب للواقع وتمكن من التعامل العلمي المنظم مع الظاهرة موضوع البحث، وأفضل من حالة العشوائية
ومن هنا فقد تمت مناقشة النتائج في ضوء ما تم التوصل إليه في هذه الدراسة من معطيات باعتبارها يمكن أن تقدم مؤشراً تقريبياً حول مدى الانتشار ضمن المجتمع الأصلي وتعبيراً عن مدى الحاجة إلى برامج إرشادية ووقائية هادفة، حيث يمكن الاستخلاص من النتائج المعروضة هنا معرفة أفضل للعينة الهدف وطبيعة وخصائص المرحلة العمرية النمائية وبالتالي المساعدة في تخطيط إعداد برامج إرشاد ووقاية هادفة ومدعمة علميا.